القراءة , الثروة التي لا تكلف شيئا لجمعها

السبت، 24 أبريل 2010

الوتر الخامس









هذي زهور الوادي , ما عاد تبرجهن و لا سفورهن يستثير
سوى ضحكات الحمقى القادمين من المدينة
لم يعدن عندهم فاتنات , يأتي الربيع و يذهب الربيع
و أنا وحدي من يرى فيهن الفتنة و الغواية ..
وأنا وحدي من يستر فيهن المياسم
و يقبل إذا جن الليل فيهن المباسم
وهن وحدهن من لا يرين فيّ صعلوكا
هن اللائي كل شهورهن طهر
وأنا وحدي إذا غفلت النجوم و اختلسن الخطوات
نحو البئر يستحممن في مائها
أشرب منها حتى يفيض في عيني الماء
و أعرف لماذا حين يأتي الصباح يظهر على الزهور آثار البلل .

***
يا من يشتري ظمأي بوتر خامس كلما جن الليل بكى
وراح يستخرج الأموات من قبورههم
و يكذب عليهم : أنهم لولا ماتوا من تلقاء أنفسهم ما ماتوا
و أن الحياة و الموت وجهان لعملة واحدة
يعتذرون إليه : لاشيء عندنا نلبسه
و كأن هناك من يأبه لعورات الأموات
وأظل أقبل في الزهور المباسم
و أستر فيهن المياسم
وفي كل شيء سواهن من الزاهدين
حتى إذا استوى الليل و أمطرت السماء بنات هوى
و أخذن يمتحن زهدي وتقواي
( بتحبني و إلا الهوى عمره ما زارك
بتحبني و إلا انكتب ع القلب نارك .. )


***

يا من يشترى مني هذا الشاي و القداحة و الأرجيلة المحنطة
و النافذة و القمر الذي ورائها
وما أغنى القمر عن رجال قريتي حين كانوا يجتمعون تحت السدر كل ليلة
يقايضون الدهر
يعطيهم تبغا و يعطونه من أعمارهم أياما
يبتزهم الليل حتى إذا بكوا أعطاهم نجوما و بضع أغنيات
نفثوا الدخان هنا فتلاشوا , وبقي الدخان يتكون كل عشية
أشباحا على هيئاتهم , فإذا ذعرت , قالوا لي :
جئنا نلعب ونحن في قبورنا آمنين

يا من يشتري نزقي بهذا الليل ؟


***

ألا حمقاء مثلي
تكافؤني نسبا رفيعا و حسبا مضيعا
تتعاطى معي - في غفلة الزهور -القبلات الممنوعة
و الرضاب مرتفع الكحول
إني إذا سكرت بالرضاب صحت في كل الأحقاب :
آدم يا أبي أخرجت من الجنة معكم .. فما خطيئتي أنا ؟
و أسمع نشيجا يأتيني من كل فج :
هكذا أنت يا بني
صحوة فغفوة
نشوة فنشوة
وخطيئة في كل خطوة
فمن يلوم أصحاب العقول إذا جنوا ؟
و من يلوم النائمين إذا أرقوا ؟

***


يوم ولدت
انطفأ سراج جدتي
و انكسرت جرة الماء
و حين بلغت العاشرة مسح البستاني على رأسي
وقال لي : إن لك يا بني لشأنا
فهذا شأني مع الليل كل ليلة
منذ أن تنطفأ الشمس في البحر
وحتى تظهر أخرى متوضأة بماء الخليج
منذ خلقت لم تخرج البهجة إلى وطني
ومذ خلقت في وطني لم أخرج أنا من كفني
ويوم ماتت جدتي : رممت الجرة و أصلحت فتيلة السراج
ووقفت بجوار نعشها : جدتي ها كل شيء قد عاد كما كان
ولما لم ترد علي : كمدا حطمت برأسي الجدار .
***
و يا أخوتي في الليل
المعدمين و المعدومين في المقاصل و بالسيوف و بالرصاص
الراحلين و المحتضرين
والواقفين على أسنة اليتم
و الذائقات من قهر الثكل
و الأخوات الأرامل
الناظرات إلى الصور المهترئة
والبراويز الآيلة للسقوط
إن من الأغنيات ما يعرج بنا إلى السماء
و إن من الصباحات ما لا ليل لها

***
صلاة الصبح : كوني شفيعتي عند متع النهار
و صلاة المغرب : ألوذ عندك من وجع الليل

الاثنين، 11 يناير 2010

قراءة بصوت مسموع في (السحاب الأحمر)







يقال في مفارقة عجيبة : (إن قليلا من الفلسفة يقود إلى الإلحاد و الكثير منها يقود إلى الإيمان النقي) و إن كان هذا القول قد أشيع في زمن طويل غابر , إلا أن بعض الفلاسفة في العصر الحديث لاسيما من المسلمين أثبتوا واقعية هذه المقولة , ومن يقرأ (رحلتي من الشك إلى الإيمان) لمصطفى محمود , يقرأ رحلةً عامرة بمحطات الشك المتطرف حد الإلحاد , قبل اليقين القوي حد الإيمان .
لكن الفلسفة ليست دائما مركبا شقيا يشق عباب الوجود و أصل الإنسان ومآل الكائنات , كما كان ولازال موضوعها الأهم و الأكثر حساسية ابتداء من سقراط و أفلاطون قبل ميلاد المسيح عليه السلام بخمسة قرون و ليس انتهاء بفلاسفة العصر الحديث (جون باول سارتر ) في فرنسا و (فريدريك نيشته ) في ألمانيا , و( كارل ماركس) و أبو العقلانية (ديكارت) وغيرهم .
في أحيان نادرة تكون الفلسفة من النوع الفاضل , الذي ينطلق من اليقين إلى تفنيد الشكوك , عاكسةً ما اعتيد عليه من الإنطلاق من التساؤلات و الشكوك وصولا إلى ما يتوهم أنه حقيقة , وربما انتهت رحلة بعض الفلاسفة قبل أن يصل إلى حقيقة واحدة مطلقا و بئست من رهان خاسر . و إن التواضع الفضيل لا ينضح من مقولة (كل ما أعرفه أنني لا أعرف) إذا كان المقصود أنني لا أعرف لماذا و كيف وجدتُ و إلاما سيكون مآلي ؟!
و إذا كان الطنطاوي فقيه الأدباء , و أديب الفقهاء في إقتران ظريف و عجيب فإن مصطفى صادق الرافعي في إقتران آخر لا يقل ظرافة هو فيلسوف الأدباء و أديب الفلاسفة .
و عن الرافعي عموما , و عنه في كتابه (السحاب الأحمر) خصوصا ستكون هذه الحروف المتواضعة .
ربما لم يعرف عن الرافعي أنه فيلسوف إذ طغت شهرته كشاعر (رجعي) كما تقول (مي زيادة) وهي تعني أنه أصيل فحل كفحول الشعر الأول , وطغت شهرته ككاتب في حقل النثر على كينونته كفيلسوف , وعلى كل فرائحة الفلسفة الفاضلة تلعب برأس كل من يستزيد في القراءة للرافعي في كل الحقول .
يقول الرافعي في مقدمة كتابه (السحاب الأحمر) :
" و كنتُ في ذلك الكتاب شاعرا , و حب الشاعر لا يخلو من الوزن (يقصد الإتزان) .... , و كنتُ متفلسفا , و هيهات إن أصبتَ الحبَّ , أيها الفيلسوف , إلا في إمرأة معقدة يؤلفها الله تأليفا من العسر بين فهمك و معانيها , فلا جرم كان الكتاب في نوع من الحب المتألم , لا يكون مثلُه إلا بين اثنين مسح الله يدَه على وجه أحدهما , ثم مسح يده على قلب الآخر , ثم تراءَيا بعدُ , فما لبث أن أشرق الأثر الإلهي على الأثر , ووقع القضاءُ في الحب على القدر ! "
هذا هو الرافعي الفيلسوف إختصارا كما تحدث عن نفسه في مقدمة كتابه , عن الحب و المرأة يتحدث , حديثا ليس كالذي عهدتموه عن فلاسفة المرأة وشعرائها الذين يهبطون إلى الوضاعة وهم يظنون أنهم يرتفعون , إن الرافعي حين يكتب عن المرأة وهو مجال كتابة يندر أن تراعى فيه البراءة , و حين يكون فيلسوفا , وهي كينونة يندر أن تكون فاضلة عند سواه , فإن إقترانا عجيبا نادرا ساحرا يحدث , إذ الفلسفة عن المرأة و الجمال و الحب دونما نسيان للفضيلة أو إمتطاء للعفة , و الفضيلة هي البوصلة الوحيدة في هذه الرحلة .
عند الرافعي فقط يصبح الألم متعةً , و أنت أيها القارئ الكريم , إذ تجول في هذا الكتاب في سحابات بديعة رسمتها محبرة الرافعي , لا تخلو سحابة من تراجيديا يغوص الرافعي في أعمق أعماقها , مستكشفا كنهها و حقيقتها , وهل الفلسفة إلا الحكمة , وهل الحكمة إلا وضع الأشياء في مواضعها , و هذا يستوجب أن تجد الأشياء قبل أن تضعها في مكانها , و إن أكبر تراجيديا في الكتاب هو الرافعي حين تتوسط الحيلولة بينه و بين من يحب ، في هذا المعنى بالذات يقول : " ..... (( تتم آمالنا حين لا نؤمل )) و لكني مرسل مطرة من سحابي تهطل ما هطلت , فالمرأة الأولى أضاعت على الرجل جنته , و من نسلها نساء يضيعن على الرجل الجنة و خيالها !... ولو استطاعت الأرض أن تفر من تحت قدم مخلوق براءة منه , لكان أول من تنخزل تحت رجليه واحدةٌ من هذا النوع !
ملح الله لا يحلو أبدا , فماذا تصنع في نفس لو سالت لكانت بحيرة ؟ "
أي ألم هذا هو , وأليست هذه المرة الأولى التي تقف على ألم فبدلا من التعاطف مع المتألم و الشد على يديه , تصيح بأعلى صوتك منتشيا , ومتمنيا مزيدا من الألم نظير مزيد من النشوة ؟!
لا عجب فهذا بعض الرافعي الذي يقول (أعذب الحب أشده إيلاما) !

نترك مؤقتا نثر الرافعي الذي يكاد يكون شعرا , لنقرأ بيتين ينضحان بالألم :
يا من على الحب ينسانا و نذكره *** لسوف تذكرنا يوما و ننساكا
إن الظلام الذي يجلوك يا قمر *** له صباح متى تدركه أخفاكا
هذان البيتان أجزم أنهما تعزية لكل من نضج قلبه على جمر الشوق , وفيهما بالمناسبة يزعم الكاتب (أنيس منصور) في أحد أعداد الشرق الأوسط في شهر ديسمبر عام 2009 في عدد لا أذكره بالضبط , يزعم أن الرافعي كتب هذين البيتين في (مي زيادة) , الشاعرة الشامية التي أحبها الرافعي فولت وجهها شطر (جبران خليل جبران) وهذا هو السبب الأوحد المحتمل الذي سبب كل هذا الألم العذب !
نعود لسحابة أخرى أسماها الرافعي ( السجين) و بعد أن استطرد الرافعي في قصة السجين , وقف الرافعي في محطة الفسلفة ليكتب عن الفلسفة في الفلسفة : " أجرم السجين فأخذ بذنبه , فما ذنوب هؤلاء جميعا ؟[1] أهي إحدى الحقائق العليا الغامضة التي من أجل غموضها و استبهام حكمتها يقول الحائرون : (( كل شيء هو كل شيء)) ويقول المنكرون : (( لا شيء في كل شيء)) ويقول المؤمنون : ((كل شيء فيه شيء )) ؟
أم هي الحقيقة السهلة الواضحة من كل جهاتها و إن أصبح الناس لا يفهمونها إذا لا تحتاج إلى فهم و إنما هم موكلون بما خفي و دق , كدأب هؤلاء الفلاسفة و العلماء الذين يقطعون العمر في دقيق المباحث و عويص التراكيب ثم لا ينتهون من نتائجها إلا إلى النواميس المكشوفة انكشاف النور لكل ذي عين تبصر !
أهي الحقيقة السهلة التي تجزأت من أجلها آية الله , فيقول المنكرون : لا علم ! و يقول المؤمنون : (( لا علم لنا إلا ماعلمتنا !)) .
هكذا تكون الكتابة عن الفلسفة بفلسفة فاضلة !
فلسفة المرأة و الجمال و الحب هي موضوع هذا الكتاب للرافعي , فما رأيكم بإقتباس تتجلى فيه هذه الفكرة جلاء البدر منتصف الشهر في ليلة لا خسوف فيها !
يقول الرافعي في سحابة أسماها (الربيطة) وهي امرأة فرنسية أتت مع صديقها المصري العائد للتو من فرنسا بعد أن كان مبتعثا , تقيم في منزله إقامة الزوجة في بيت زوجها وهذا ما أثار الشهامة و النخوة في قلب الرافعي الأصيل العربي الفاضل , فأسر إليها :
" ..... ونظرت إليّ تلك المرأة نظرةَ حزت في قلبي , لأنها لا تسألني المدح و كذلك لا تريد الذم , وبعد أن رضيتْ أن تسمعَ إليّ كأنها تقرأ كلامي في كتاب , وواثقتني على أن تعتبرني مخاطبا فكرها دون شخصها , ومحاورا فلسفتها دون تاريخها , قالت : أحسبك لست كغيرك من الناس .
قلت : و لا أنا كالملائكة .
قالت : فتعرف خطيئة الإنسانية و تقدر قدرها ؟
قلت : و أعوذ بالله منها و أتحاماها .
قالت : وتعرف ضعف الطبيعة ؟
قلت : ومعاندتها وصلابتها أيضا .
قالت : فكيف تراني : ألستُ نصفَ المسألة السماوية على الأرض ؟ وهل أنا إلا معنى متجسم من معاني القدر ؟ وهل خرجتُ من سلالتي إلا كما خرجت الخمرة من عناقيدها ؟ وهل خُلُقتُ جميلة غالية كالدينار إلا لتشتري بي بعض أوقات السعادة ؟
قلت : أما المسألة السماوية فإن كنتِ نصفها فالشيطان نصفها كذلك , و أما القدر المتجسم فلعل الحريق في بيت من نكب به أجمل و أخف احتمالا , وهو مع ألوانه الفنية ... حريق , ولا يسمى أبدا إلا حريقا , و أما الخمر فهل هي إلا عفونة أسكرت لأنها عفونة , و أما الدينار الذي تشترى به أوقات السعادة فهو نفسه الذي يغري اللصوص ويوجدهم , و إذا كانت هذه السعادة – كما تصفينها – في نشوة الخمر , فهل تشترى الخمر إلا و فيها سُكرُها و مَرَضها و جُنونها ؟
قالت : فحدثني لم كان الحب إذن ؟ وهل خُلق إلا للإستماع به من حيث يٌتفق و على أحسن ما يتفق ؟
فقلت : إنما خلق الحب قوة ليقيد بقيوده كسائر الأشياء الطبيعية : فأنت تصدعين عنه كل قيوده و تتخذينه تجارة في النفوس , فلا تردين يد لامس , ولا تمتنعين على دعوى فيها ثمنها ... وبذلك تجرين مجرى القوة المدمرة , و من هنا كان لك في الإجتماع الإنساني [2] شأن ليس كشأن المرأة , بل كشأن المادة , و كان بعض الأداب و القوانين ينزل منك منزلة المطافي المعدة للحرائق , و بعضها بمنزلة السجون المرصدة للجرائم , و بعضها بمنزلة الإحتقار المهيأ للتاريخ السيء , و ما ظلمك الإجتماع في شيء لأنك أنت في نفسك ظلم له , و إن الداء الذي يبرأ من المرض لا يعد مرضا للمرض , و أهون بذلك إذا عُد ما دام يبريء من العلة , فإن درء المفاسد قبل جلب المنافع , و درء المفسدة هو في نفسه منفعة ! "
هذا بعض الرافعي , فكيف به كله , وهذه أيضا عبقرية الفيلسوف الفاضل تجلت في كتابه (السحاب الأحمر) الذي لم أستطع أن آتي على كل ما ورد فيه من سحب (فصول) , لكنني و إن عجزت عن الكتابة فيه , إلا أنني لن أعجز عن معاودة قرائته , لأكتشف في كل معاودة أعماقا جديدة لهذه العبقرية , و كأن الرافعي ذو أعماق لا تفتح إلا على أعماق أخرى لا متناهية , تأبى أن تتجلى مرة واحدة , دفعة واحدة , تقدم نفسها مزيجا من الفلسفة و البلاغة على جرعات حلوة , يماثل الشوق في إكتشافها جميعا , شوق المريض الفراغ من جرعة ترياق مر .

علي العيسي
الأثنين 25محرم 1431

____________________________
[1] ( يقصد زوجته و أخواته و أمه اللائي يضربن قلوبهن بمطارق الحسرة و خشية سوء المصير من بعده و بناته الصغار اللائي لا يفقهن مما يرين أكثر من وجه أبيهن الذي يتوارى في عربة السجن مبتعدا ).
[2] يقصد الرافعي العلاقة الجنسية .

الخميس، 29 أكتوبر 2009

يسألونك عن المطر؟







يسألونك عن المطر ؟
قل : هو حنو الغيم على أهل الأرض ..
قل: هو دنو الديمة ..وتواضع الماء ..
هو كل شيء منتَظر ..
فـانتظـر ...

***

يـسألونك عن المطر ؟
قل : هو زفاف السماء و الأرض ..
تزفهما زغاريد الرعود ..
قل : هو قُبلة السماء ... لثغور الأرض ..
قل : هو حضن الأرض يضم خصر السماء بلا مضض ..
قل : هو السماء (تلقح) السهول بمائها ... فتهتز مخضرة ... ويتبدد القحط و الرمض .
قل : هو غسيل القلاع .


***

يسألونك عن المطر ؟
قل : كل شيء جميلٍ .. فانتظر .


***

قل : هو ...
طُهر الورود ..
وماء يخفف لذعة خمر الزهور ...
هو ..
الخريف يغازل الأشجار ..
فترسل من أعطافها ...
(نكهة ) الأراك ... و شذا السدور ..


***

يسألونك عن المطر ؟
قل :
هروب الصبايا إلى الخيام ..
و إنفراج أسارير الكادحين ...
قل :
هو الماء يغسل وجل الأبرياء ...
فيصبحون أنقياء .. بلا شائبة .
هو كرم السماء ... بلا منة و لا غرض ,
قل هو :
وليمة السحاب للجياع .


***

يسألونك عن المطر ؟
قل : كل شيء جميلٍ .. فانتظر .
هو النجوم تغازل الوديان ...
تحدق في الأنهار .

***

يسألونك عن المطر ؟

قل : هو حبات الكريستال ترقص على قبور الأموات .

الثلاثاء، 6 أكتوبر 2009

كيف تكون مرحا ؟

صباحكم صباح شمعة باتت تجاهد النوم حتى الصباح , وحين الصباح نامت على النافذة بجوار الزهور .
***
التأنيب المفرط هو خلل نفسي يعاني منه البعض , واعترف أني من هذا (البعض ) الذي يعاني , والمشكلة أنه يأتي مباشرة بعد عدة تصرفات طبيعية جدا , وهو ما يجعل التحفظ أثناء الحديث سيد الموقف , التحفظ الشديد الذي يجعل الآخرين يتخذون إنطباعا عني بأني : حيي شديد الحياء (أو) متكبر شديد الكبر .
والحقيقة أني لا هذه ولا تلك , فلست أخجل من الحديث ولا أستحي من التواصل مع أحد , وفي المقابل لا يوجد لدي ولا فيّ ولا معي ما يدعوني للكبر .
كل مافي الأمر , هو التحفظ الشديد كي لا أقع في شراك التأنيب من جديد .
***
سبحان من خلق الكبار و الصغار , المتعلمين و وأنصاف المتعلمين و الأميين , الأغنياء و الفقراء ؛ فأعطى البعض مالم يعط أولئك , وأعطى أولئك مالم يعط البعض , فجعلهم متكاملين لا (كاملين) , حتى يستأنس بعضهم إلى بعض .
أعرف رجلا في منتصف العشرينيات لم تمتد به سنون الدراسة إلى أكثر من الصف الأول المتوسط , و مع ذلك إذا جلس في مجلس دنت منه الرقاب , ووهبت له الآذان , وانشرحت له النفس , وأصبح سيد المجلس تماما .
يخلط بين الإبتسامة و التقطيب , والضحكة و صيحة الغضب , بين القول اللين و النهر الشديد , لا يتردد عن قول شيء ومع ذلك لا يجرح أحدا بإسلوبه العفوي الماهر .
كما أعرف رجالا وهبهم الله المال / العلم / الجاه ... لكن إذا تحدث قلت بينك وبين نفسك (ما أحلاه ساكت) .
***
وبالتالي فإن مهارة الكلام و الحديث مع التأثير يملكها عادة المرحون , وليس شرطا أن يكون المرح كبيرا أو صغيرا , متعلما أو متواضع التعليم , غنيا أو فقيرا , قد يكون أي أحد ,
***
و مع هذه الحقيقة نخلص إلى السؤال التالي :
كيف تكون مرحا بدون أن تكون وقحا , كيف تخرج من المجلس وقد أسبغت على نفسك الرضى , و أزلت عنها إنطباعات الحياء و التكبر , التي قد تعلق في مخيلات البعض إلى الدوام ؟!

صباحكم صباح شمعة أخرى باتت تجاهد النوم حتى الصباح , وحين الصباح نامت على النافذة بجوار الزهور .

الواشيان : جمال خاشقجي و علي الموسى .

جريمةٌ أخلاقية في حق الأخلاق العامة و المهنية الصحفية , حينما يتحول كاتبان صحفيان , أحدهما يقف على هرم الصحافة و الآخر أستاذ جامعي , إلى واشيين خسيسين , يشيان بأهل العلم و الرأي و الأدب إلى ولاة الأمر و إلى المجتمع و أفراده و منظماته .

***

لم يكن الأمر تراشق بالأراء , و لا إختلاف , لم يكن هناك حوار أصلا , هل يجيد الوشاة الحوار , لا يجيدون شيئا غير نقل الكلام و تحميله فوق ما يحتمل عمدا لتحقيق مقاصدهم الخبيثة , و إغراق المجتمع في وحل من السجالات العقيمة التي تستنزف وقته و جهده فيما لا طائل منه , و آخر أهدافهم : أن ينبذ المجتمع من نُقل عنهما قوليهما بعد تحويره و إعادة تشكيله .

***
يتهم جمال خاشقجي الشيخ الشثري بإصدار فتوى تثير التشويش و الإضطراب في أيام الإحتفال بإفتتاح (كاوست) , و الحقيقة أن الشيخ لم يكن (يفتي) , في الوقت الذي يكن فيه السائل المتصل ( يستفتي ) ,و لا أثر للفتوى لا في نص و لا في السياق , كان الشيخ يستطرد في (رأيه) الذي كفلته له كل شريعة سماوية و حرية مدنية و مجتمع أخلاقي حضاري .
إن صيغة الإتهام و طريقته و آليته و ظرفه الزماني و المكاني , كل ذلك كان يدل على نية وشاية مبيتة , نقلها الخاشقجي إلى ولاة الأمر و إلى المجتمع , متقولا على الشيخ مالم يقله , ومستكثرا على الشيخ حق مكفول لبائع الخبز أن يمارسه و يتمتع به .
لا أدري في أي بيئة مهنية , فضلا عن الصحفية , يجيز لشخص , فضلا عن هرم الهيئة التحريرية , أن يصر على أن شخصا (قال) و (أراد ), بينما تحيل التسجيلات المرئية و الصوتية هذا الإتهام إلى هراء .
إنها شهوة (الوشاية) لدى خاشقجي , التي تحتاج إلى رداء يسربلها , أو إذا لزم الأمر , إلى (إحصان و تحصين) من نوع معين .

***

على النهج ذاته , يصر علي الموسى أن حديث المفكر الفقيه الأديب / سلمان العودة عن تجربته في السجن , في (نقطة تحول) , كان تحريضا على استمراء السجن , والسعي له واعتباره مرحلة , تحرق فيه النفس , لتنضج فيه التجربة و الخبرة و الفكر .

***
وحقيقة هذا الإصرار أنه إتهام , إتهام (مغفل) , إذ أن أبسط الناس حظا من العلم و التفكير , لا يلجأ إلى هذا الإتهام , إلا إذا نوى (الوشاية) , وتحريض ولاة الأمر أيضا و المجتمع بأفراده و منظماته على تجريد العودة من مكانته المهيبة في صدور متابعيه و محبيه , و عزله في خانة قصية ليقوم مقام الصـفر.
هل كان من المفترض على العودة - حسب تفكير الموسى- أن يذم السجن و قد استفاد منه , أو أن يدعي خلاف ما كان , و إذا كان العودة قد جمع الحجارة التي قُذف بها فبنى بها ما يرقى عليه إلى الأعلى , فهل عليه أن يقول أنه لم يفعل - حسب مفهوم الموسى- .

***
إن تصرف خاشقجي و الموسى تصرف بليد , يندر أن تراه إلا في مجالس النساء و الأراذل و سعاة البغض و التفرقة , إن الدين منهما إن كانا متدينين براء , و الليبرالية (بصورتها المزعومة لا المطبقة ) براء , و أخلاق الرجال و أرباب الفكر و القلم منهما براء , إنهما ومن شاكلهما مجرد عورتين , سوئتين , يستحقان الستر بشكل طاريء .

***

من المؤسف أن يتم إفساح المجال للوشاية كي يجري مفعولها , و من المؤسف أن يتم التعامل معها كرأي عام صائب .
السؤال هنا : لمن كانت مصلحة استقالة الشيخ / الشثري ؟.