القراءة , الثروة التي لا تكلف شيئا لجمعها

الجمعة، 4 مارس 2011

و الأغلال التي في رؤوسهم .





                                                 
يا أيها الذي جاء إلى هذه الحياة حرا , فتكاثرت وتكالبت القيود عليك ساعة إثر ساعة , ويوما بعد يوم , حتى إذا تناصف عمرك فإذا القضبان أمامك و الجدران خلفك .. و الأغلال في يديك .
أنت اخترت أن تكون عبدا .. أنت الذي التقطت القيود من على الأرض فوضعتها في يديك , أنت الذي قايضت الأفق الفسيح بغرفة السجن , آمنت أن الغرفة تكفي و أكثر لكل نزعة فطرية نحو الحرية بداخلك , فضلت مساحة الغرفة على فساحة المكان خارجها , زججت بنفسك في داخل الغرفة .. أحكمت الإغلاق وبلعت المفتاح .
لا أغلال إلا في رأسك , العقول هي المكبلة , التفكير هو المحاصر في دوائر ضيقة , و الأفكار هي التي لا تستطيع القفز من فوق الأسوار , في الرأس يقبع مَثَليك وزنا وثقلا كي لا تذهب بعيدا , كي تبقى بقرب كل ما هو معتاد , ولتتم صناعتك على عين كل ما هو مألوف و طاغوت , كي لا تختفي أبدا عن العين المتربصة و المراقبة , وكي تختفي دائما عن نفسك وكي تختفي أيضا خلفها , ولكي تفضل الانتحار على أن تستمع لقلبك الذي يناشدك بالله العزيز الحكيم بعض الحرية و بعض الفرجة .
جئت إلى هذه الحياة ممتلئا حرية , سقطت من رحم أمك صغيرا ضعيفا , إلا الحرية كانت حينها فيك أكبر منك , كانت تفيض عنك إلى غيرك فتأتي عليهم كالضحكات كالبسمات , كالتكشف للنسائم , كتعري الحقائق , كحل كل قيد , ككسر كل غل , كالخروج من كل سجن .
وأنت في ستة أشهر من عمرك , كانت يداك ضعيفتان واهيتان , لكن كنت تنتفض إذا ما أمسك أحدهم بهما , ترفض أن يحيط إبهام وسبابة بمعصميك ولو بلطف غير تلك التي هي لأمك , لم تكن تستخدم رجليك في ذهاب ولا إياب , ولكن تسخط إذا أوقف أحدهم لهوهما , و تقطب على نحو طفولي جبهتك و تتعالى صيحاتك إذا حال حائل بين عينيك و بين ما تريد أن ترى و تبصر .
من علمك بعد ستة أخرى المشي , بل من أوحى إليك أن بإمكانك الوقوف , من ألهمك الصبر على السقطة إثر السقطة , و العثرة تلو العثرة , وكل ما التأم جرح جد بسبب الخطوات الأولى جرح , تتمرد في كل مرة على محاولات من حولك لثنيك رأفة بك و شفقة من آلام و جراح السقوط .
ألا تشي لك تلك الجراح الأولى أن ثمن الحرية دماء و أشلاء ؟ و أنها – أي الحرية – أول شيء امتلكته بعد سقوطك من بطن أمك ؟ وأنها آخر شيء تتخلى عنه قبل أن تموت ؟ بل تشبث بها و أنت تحتضر , ادخل قبرك بمعيتها , اصعد إلى ربك إن استطعت بها , فكمال عبوديتك له تقتضي تمام حريتك .
فمالك تأخذك الرغبات إلى حيث لا ترغب , و الشهوات إلى حيث لا تشتهي , مالك تقاد إلى حيث لا تريد الذهاب , و تُقوّل ما لا تريد أن تقول , ومال هذه الأغلال من فوقك و من تحتك و عن يمينك و عن شمالك ؟
الأغلال أوهى من إرادتك , وقابلة للكسر أمام تصميمك .
لعنة الله على الأغلال , على القيود , على السجون , على القضبان , وحتى على الكلبشة .
نصيحة : 
لا تقبل النصيحة حتى تتأكد أنها سليمة , تأتيك الأغلال أحيانا والقيود في هيئة نصائح .


الجمعة، 22 أكتوبر 2010

الألفة مع الأشياء : السدر .


هبت ريح قبل أسبوعين أطاحت بشموخ السدر المنتصب في مزرعتنا , أطاحت بالشموخ و أطاحت بما يزيد عن سبعين سنة من ذكرياتنا .


سألت جدي قبل سبعة عشر عاما , في عشية صيفية كانت الشمس توقِع ظل السدر شرقه : من "سبا" هذا السدر ؟
أجاب : خُلقت عليه , أي ولد جدي و السدر في مكانه .
و هي من النوادر التي كنت فيها أسائل وعيي ووعي من حولي عن هذا السدر الذي تمحور كل شيء في المزرعة و البيت و ما بينهما حوله . كل شيء بدا كما لو كان هذا السدر مكانا مقدسا تقام الأشياء المهمة بجواره . فالبئر تقع على مقربة منه , هو استطال و تفرع حتى أصبحت البئر كما لو كانت قد بنيت تحته مباشرة , مكائن الديزل و " طلمبات الماء " , "زير " الماء , العريش قبل أن يصبح غرفتين في المكان ذاته , "الجرين" : دائرة كبيرة مرصوفة بالإسمنت تعقد فيها المجالس و السمرات , و تقام عليها الصلوات لاسيما الصلوات التي تأتي بينما الأهالي في مزارعهم , لكن هذه البقعة رصفت أصلا لخبط السنابل المحملة بالحبوب , تتلقى السنبلة الواحدة ضمن آلاف السنابل الخبطات بالمشاعيب حتى تلفظ آخرة حبة قمح / ذرة فيها , فتصبح عودا حقيرا لا فائدة منه سوى إشعال نار "الميافي" في الحطب , أو تكون الشرارة الأولى تحت "براد " شاهي . جهاز الراديو معلق بالسدر , برميل الديزل تحته قريبا من المكائن .
ليس هذا فحسب , بل حين توفي جدي والد أبي , و كانت قبل ذلك المزارع كلها قطعة واحدة يعمل فيها هو و أخوه - جدي عم أبي - ومن معهما من الأبناء , كان السدر هو ميزان تقسيم الإرث . فما يقع شرق السدر مساو لما يقع غربه من الأراضي الزراعية . وخُيّر الوارث بين النصيبين المتكافئين .
حكايات أهالي القرية الحقيقية و المختلقة و أشعارهم و بالكاد كل حديث , يوشك أن يظهر السدر فيها ظرفا مكانيا , حتى مواعيدهم التي يضربها بعضهم لبعض تكاد كلها تكون المكان نفسه ولو تغير الميعاد الزمني : " تلقاني ضحوة تحت ابسدر " .
و إذا ما أراد أحدهم أن يعبر عن طول مسافة أو هول مساحة , كجارنا الذي كان يقص علينا قصته بعد أن أدى فريضة الحج , و كان يحكي عن ازدحام الناس على الجمرات , قال إن كثافة الناس يومها , كما لوكانت تملأ المساحة " من هنيه - من بيته - لين ابسدر " , و كان الوصف بليغا و مفهوما , إذ تعدلت ظهور الأهالي المنحنية قائلين كلهم بصوت واحد في استعظام : "الله" , بينما ردد المتعلمون منهم : "الله المستعان" .
أنا و أنا أضع أولى خطواتي بعد الخامسة و العشرين , ألفت السدر مع جدي ووالدي و سائر الأهالي منذ صغري , ألفته ألفة أنستني أو جعلتني أجهل أن هذا السدر في الحقيقة سدرين متلاصقين , لم يتبين لي ذلك – لتسليمي بما ألفت – إلا صبيحة ليلة سقوطه .
كنت أسائل نفسي فيما مضى من سنين , كل شيء يموت , و سيموت السدر هذا كما مات قبله "سدر الهنيدي " الذي ما عرفت قريتنا سدرا مثله في طيب مذاق ثمره : النبق .
لكن كيف سيموت وهو الماء تحته و الأرض جيدة تسمح لجذوره بالتمكن في جوفها , و لم يخطر على بالي أن ريحا تأخذنا إلى قبورنا ستأخذ هذا السدر العظيم إلى مأواه الأخير .
سقط السدر ليلا , و في الصباح بدا لنا الشيء المألوف مختلفا , رغم أنه يبعد عن مساكننا قرابة الكيلو , كان اسوداد و كثافة أعلى السدر مختلفة , و يبدو لنا كما لو تنازل عن بعض طوله و ارتفاعه . و لزمنا بعض التدقيق المضني حتى أدركنا و استوعبنا الفاجعة .
كان بالتأكيد سقوطا مدويا , تمددت الساق الهائلة داخل المزرعة و كان قطر دائرة الساق بعد قطعها رقما كبيرا في حدود الثمانين سم , تطايرت الأغبرة إلى أماكن بعيدة , وهلكت المزروعات التي وقع السدر عليها , و ترك خلفه –بجوار لصيقه السدر الآخر - حفرة هائلة كان مغروسا فيها لأزود من سبعين سنة .
أتساءل : هل سقط السدر الذي كان شاهدا لعقود على رحلة رجال القرية من الحمراء إلى بليص , و من بليص إلى الحمراء , و كان شاهدا أيضا على رحلتهم من مدارج لهوهم صبية صغارا إلى أن دخلوا قبورهم شيوخا , هل سقط كما يسقط أي شيء ساقط وفقا لقوانين الوزن و الثقل و السرعة و الجاذبية ؟
ألا يوجد هناك سقوط يليق بالأشياء العظيمة , يأخذ في الاعتبار امتداد الشيء الساقط في المكان و الزمان و في وجدان من حوله من البشر و يستثنيها من قوانين الفيزياء , ألا يوجد شيء ينبه الناس أن شيئا عظيما مهما سيسقط , ليبدأ الرثاء - كما يجب - قبل الرحيل ؟
سنة الله و لن تجد لسنة الله تبديلا .

الثلاثاء، 12 أكتوبر 2010

مسرحية


المشهد الأول : 
المسرح : مزرعة أبي التي زارتها السيول قبل سبعة عشر يوما , المياه على وشك الجفاف , ماعدا بقع أرادت عناق المياه أطول فترة ممكنة , رؤوس خضراء تتبدى من باطن الأرض , الى سطحها , وأخرى استطالت فوق الأرض حتى خصرها , هذه الرؤوس , سدور و حشائش ونباتات أخرى وورود ,السماء تدل أن النهار في آخره ,
- ( أنا ) اظهر على المسرح , بجواري حيوانات تتفاوت طولا وعرضا , أبقار وماعز وظأن ,تتداخل وتتخالط في تناغم يفتقده البشر , لا عنصرية بين الحيوانات , الأرض أرض الله , والكلأ مستباح للجميع , 
(أنا ) لم أفلح في صنع " ناي " من خشب التين المجوف , رحت أحاكي صوته بشفاهي , اضم شفتاي و ابسطهما , وانفخ فيهما من تجويف فمي هواءً , الضم والانبساط , ليس عبثا , هذا ماتمليه عليّ نوتةٌ في دماغي ,
( أنا ) منتشي كما ينتشي الصغار بالطبيعة الأخاذة , اعزف للقطعان أمامي , وتكافئني بأصواتها التي , لا أحسبها الا تصفيقا , 
أحيانا قد أتطفل على عناق الأرض للماء , اخلطهما كما يخلط الرسام الألوان على لوح الألوان , اصنع من الطين والماء , قرى وأزقة وأشجار , ثم أهدمها بقدمي , 
ينتهي المشهد بغروب الشمس التي أتجاهلها , ويذكرني بها أذان جدي للمغرب , 

المشهد الثاني : 
المسرح : شقة استأجرتها على أمل تركها قريبا قريبا ,
(أنا ) داخل شقة في مدينة أعمل فيها , الشقة لا تدخلها الشمس ولا الهواء , استعضت عن الشمس بالمصابيح , وعن الهواء بالمكيفات , 
في شقتي , لا شيء يدل على الحياة , لا شيء عضوي فيها , غيري أنا وابنتي الصغيرة و امرأة أخرى , 
( أنا ) احسب كل ثانية لأخرج من هذه المدينة الى قريتي التي فيها مزرعة أبي , 
في هذه المدينة , لا أرى شيئا مما ألفته في صغري , الشقة الكبيرة لا اعتبرها الا سجن كبير , المدينة , لا اعتبرها الا قلعة من احدى قلاع القرية , وهكذا فاني شقتي أرحب من هذه المدينة , كل شيء استخدمه , التلفاز والانترنت والسيارة ومكتبي والناس الذي أصادفهم , لا يمنحوني السعادة التي كنت أحظى بها وأنا ادندن لقطعان البقر والماعز و الضأن , 
الليل في المدينة يتداخل مع النهار , لا فواصل بينهما سوى عقارب الساعة , ولا عجب , فالشمس حالت بيننا وبينها الجدران , الطيور لم تعد تسعد الناس , فما عاد الناس يصغون لشقشقاتها , والورود , رغم ألوانها المتباينة , لا روائح لها , لا يفوح منها سوى روائح مصانع السماد الكيماوي , الأشجار أوراق خضراء صغيرة لا خشب ولا لحاء لها , كأنما يسقيها الناس من عل , وهذا مايفسر توقف الحاملات عندها كل صباح , 
جاري الذي يفصل بيني وبين بابه ثلاثة امتار , لا اعرفه , وقد كنت أزور جدتي لأمي كل خميس , قاطعا كيلا ونصف ,


و بين المشهدين تستلقي أربعة عشرة عاما 



11 / 4 / 2008


الأربعاء، 28 يوليو 2010

تعقيدات الميلاد و الحياة , بساطة الموت



سهولة الموت

الذين حضروا القصاص لأول مرة , بالتأكيد لا زال منظر الرأس تتدحرج بعيدا , و الدماء تتدفق كالنافورة عالقا في أذهانهم , ربما أزعجهم هذا المنظر , أثار فيهم الشفقة , الخوف , الندم , أسئلة و معان إنسانية كثيرة بدواخلهم .

لكن السؤال الذي يضطرب بين نشاط و خمول , حتى وإن لم يفلحوا في تحديد ماهيته و إدارك كل أبعاده و أعماقه : كيف تخر الرأس بالسيف و كأنها قطعة زبد دافئة تخترقها سكين صغيرة , كيف بضربة سيف واحدة تتقطع هذه العروق و الأوداج و كتل اللحم و الغضاريف و أجزاء كاملة من العمود الفقري ؟
إنه الموت و السهولة و البساطة و السرعة التي تلازمه .
كم يلزمك من الوقت و الجهد لإغتيال وردة , لسحق زهرة , لإقتلاع شجيرة , لإتلاف لوحة بديعة , لإسكات نغمة صادحة بالروعة والعذوبة , لشنق ابتسامة على وجه طفلة صغيرة ؟
لا شيء .

***
هل حدث و أن نصحكم زملائكم في الثانوية - حين و حيث يكثر الحديث عن الحب والزواج - بألا تمارسوا الحب من طرف واحد , ألا تعلقوا آمال وردية على قلوب لم تختبروها , و لم تصرح لكم بالمشاعر و الأحاسيس ذاتها ؟ هل أخبروكم أن تأجيل إختيار الشريك لقبيل الزواج بعدة شهور هو الخيار الأفضل و الأصح ؟ لماذا تكاد تتكرر هذه النصائح مع كل أحد فينا ؟
إن الحب الذي تستغرقُ في تكوينه و خلقه و إنمائه ليالي ساهرات , و سنوات مع فاتنة مولية , و غافلة , تستطيع على الأرجح أن تميته - هي - في لحظة لا أكثر , و صدمة الموت في هذه اللحظة أكبر من كل إستيعابك و تفهمك , إنها صدمة تكاد تتسبب لك في الموت أيضا , إنها صدمة خاطفة وسريعة , و الأمر سيبدو مختلفا تماما لو أتتك هذه الصدمة بالتدريج , بتقدير لمشاعرك و بلطف .
تماما كمقدار حزننا على ميت مات بالتدريج أثر أزمة صحية أمهلته و إن لم تمهله طويلا , أو مرض عضال , بينما يتعاظم ويتفاقم حزننا على صديق أو قريب أو ولد أو عزيز مات بالبساطة المألوفة عن الموت , بالسرعة الخاطفة ذاتها , حينها نبقى ما تبقى لنا في هذه الحياة نستذكر هذه اللحظة بكثير من الرعب و الخوف و الريبة , وقد تتحول هذه الصدمة لخوف أزلي , و هاجس ملازم .

***

لا ننسى شيئا من شرور القضاء و القدر , كل مافي الأمر أننا نعتاد عليه .
الخيانة و النكران و الجفاء و النسيان كلها من جنس الموت , و الألم التي تسببه هذه الأوبئة البشرية , ناتج عن كونها تحدث بسرعة , ببساطة , بسهولة .
فالمصدوم بالخيانة أو الميت بها , كان في لحظة ينتظر وفاء , و المصدوم بالنكران ينتظر عرفانا , و و المصدوم بالجفاء يتشوق لوصال , و المنسي لتذكار .


  
تعقيدات الميلاد

على العكس تماما من الموت , الحياة معقدة من اللحظة و الثانية و الدقيقة و الساعة و الدهر الذي يسبق الحياة ذاتها , و حتى اللحظة التي تسبق الموت مباشرة .
تأمل ذاتك , و إذا كنت من الذين يجدون صعوبة في استطلاع ذواتهم بينما بكل سهولة يعرّضون غيرهم لأدوات التشريح الخاصة بهم و التي عادة ما تكون مقننة و دقيقة , فهذا الحل قد يكفي لهذه المهمة .

تأمل أي كائن بشري يرد على تفكيرك , إن هذا الكائن الذي تفكر به لم يختر أبدا مكان وزمان و كيفية تواجده , و أن هذا الكائن الحي انطلق ضمن 20 مليون حيمن لكل مليلتر من ظهر رجل (الأب) متوجها إلى جوف أم , إلى ظلمات ثلاث .
إن هذه الكمية الهائلة من الحيامن غير ذي أهمية إذا كان الزمان للأم غير موات , و الزمان لا يكون مواتيا إلا مرة في الشهر , وهذه المرة غير منتظمة و لا تتخذ تاريخا محدد تخلد إليه , في هذا الزمن تنضج البويضة و تصبح مستعدة للإلتقاء بواحد فقط من الحيامن التي تقدر بمئات الملايين , و تكون البويضة جاهزة إذا حصلت العديد من الإنقسامات و التحولات .

واحد فقط من مئات الملايين من الحيامن يلتقي و يمتزج بالبويضة , ولو حصل أن ذلك الحيمن لم يكن هو الذي التقى بالبويضة بل الحيمن الآخر الذي كان بجواره ضمن ملايين الحيامن , فإن الشخص الذي يخطر على بالك الآن بكل لحمه و دمه ما كان ليكون موجودا و لا حتى في أي مكان من الوجود .
يتحد الحيمن مع البويضة في أحشاء الأم , خلية واحد لا تكاد ترى حتى بالمجهر فائق القدرة , خلية واحد تحتوي على كروموسومات (مورثات) من الأبوين , فتستسلم حينها للعديد من الإنشطارات و الإنقسامات , تصتبح الخلية خليتان , فأربع , فثمان , فستة عشر , فإثنين و ثلاثين , وهكذا حتى تصبح شيئا مرئيا و تظهر أول ما تظهر كالعلقة فمضغة , فقطعة لحم , فأنسجة , فأعضاء و ملامح متراكبة , فجنين .

و الجنين هناك يدور في البطن حول حبل استدارة تبلغ أكثر من 180 درجة , و تكون إحدى قدميه خلف الأخرى , وهذه الوضعية تزيد من إحتمالية أن يلتف الرأس حول الحبل السري , و أن تلتوي إحدى القدمين و تتعرض للعرقلة لكون إحداهما تتقدم على الأخرى .
ناهيك عن الشهور التي يمكث خلالها داخل عالم سائل و مائي , و بعد الميلاد لو عرض هذا المولود لبيئة مماثلة من السوائل لمات و اختنق .

و كيف ينمو الطفل بشكل صحيح بدون أن يذهب به للمراكز الصحية بين كل فترة و فترة كي لا يتعرض للأمراض الخطيرة و المهدد لحياته بفعل اللقاحات و التطعيمات .

هل رأيت كيف هو الوجود معقد وصعب ؟
بمثال أسهل و أقرب : كم يلزمك من الوقت و الجهد للحصول على زهرة فواحة , وردة عطرة , شجيرة ورافة الظل كثيرة الثمر , لخلق لوحة آسرة وبديعة , لتكوين لحن عذب و شجن , لكتابة قصيدة , لزرع ابتسامة على وجه بشري ؟

بذرة الوردة التي ترميها على الأرض يجب أن تكون صالحة , لم تتعرض للرطوبة أو البلل , و أن تكون قد غلفت بالرماد أو المواد الحافظة , و أن تكون الأرض قد فلحت , و تكون ذات طبيعة ملائمة , و ماء غزير , و أن يكون الطقس أو زمن الزراعة مناسبا , و الشمس و الهواء و الريح , وكل شيء تراه هو يعقد و يصعب من أي مهمة للميلاد أو الحياة .

***

ماذا لو كانت لحظات الموت الخاطفة و السريعة تنخرط في تناسب مع أوقات الميلاد و الحياة الممتدة و المعقدة ؟
إن خلف الموت السريع و الخاطف و الميلاد المعقد و الممتد بقاءً سرمديا يتفوق على هذا الوجود التافه الذي لا يبقى , و في الحياة و الموت حكمة و عدل إلهيين , عدالة تقتص للذي جزي بالوصال جفاء , و التذكار نسيانا , عدالة لا تغفل حتى عن سرعة و أثر و عمق الصدمة .

السبت، 24 أبريل 2010

الوتر الخامس









هذي زهور الوادي , ما عاد تبرجهن و لا سفورهن يستثير
سوى ضحكات الحمقى القادمين من المدينة
لم يعدن عندهم فاتنات , يأتي الربيع و يذهب الربيع
و أنا وحدي من يرى فيهن الفتنة و الغواية ..
وأنا وحدي من يستر فيهن المياسم
و يقبل إذا جن الليل فيهن المباسم
وهن وحدهن من لا يرين فيّ صعلوكا
هن اللائي كل شهورهن طهر
وأنا وحدي إذا غفلت النجوم و اختلسن الخطوات
نحو البئر يستحممن في مائها
أشرب منها حتى يفيض في عيني الماء
و أعرف لماذا حين يأتي الصباح يظهر على الزهور آثار البلل .

***
يا من يشتري ظمأي بوتر خامس كلما جن الليل بكى
وراح يستخرج الأموات من قبورههم
و يكذب عليهم : أنهم لولا ماتوا من تلقاء أنفسهم ما ماتوا
و أن الحياة و الموت وجهان لعملة واحدة
يعتذرون إليه : لاشيء عندنا نلبسه
و كأن هناك من يأبه لعورات الأموات
وأظل أقبل في الزهور المباسم
و أستر فيهن المياسم
وفي كل شيء سواهن من الزاهدين
حتى إذا استوى الليل و أمطرت السماء بنات هوى
و أخذن يمتحن زهدي وتقواي
( بتحبني و إلا الهوى عمره ما زارك
بتحبني و إلا انكتب ع القلب نارك .. )


***

يا من يشترى مني هذا الشاي و القداحة و الأرجيلة المحنطة
و النافذة و القمر الذي ورائها
وما أغنى القمر عن رجال قريتي حين كانوا يجتمعون تحت السدر كل ليلة
يقايضون الدهر
يعطيهم تبغا و يعطونه من أعمارهم أياما
يبتزهم الليل حتى إذا بكوا أعطاهم نجوما و بضع أغنيات
نفثوا الدخان هنا فتلاشوا , وبقي الدخان يتكون كل عشية
أشباحا على هيئاتهم , فإذا ذعرت , قالوا لي :
جئنا نلعب ونحن في قبورنا آمنين

يا من يشتري نزقي بهذا الليل ؟


***

ألا حمقاء مثلي
تكافؤني نسبا رفيعا و حسبا مضيعا
تتعاطى معي - في غفلة الزهور -القبلات الممنوعة
و الرضاب مرتفع الكحول
إني إذا سكرت بالرضاب صحت في كل الأحقاب :
آدم يا أبي أخرجت من الجنة معكم .. فما خطيئتي أنا ؟
و أسمع نشيجا يأتيني من كل فج :
هكذا أنت يا بني
صحوة فغفوة
نشوة فنشوة
وخطيئة في كل خطوة
فمن يلوم أصحاب العقول إذا جنوا ؟
و من يلوم النائمين إذا أرقوا ؟

***


يوم ولدت
انطفأ سراج جدتي
و انكسرت جرة الماء
و حين بلغت العاشرة مسح البستاني على رأسي
وقال لي : إن لك يا بني لشأنا
فهذا شأني مع الليل كل ليلة
منذ أن تنطفأ الشمس في البحر
وحتى تظهر أخرى متوضأة بماء الخليج
منذ خلقت لم تخرج البهجة إلى وطني
ومذ خلقت في وطني لم أخرج أنا من كفني
ويوم ماتت جدتي : رممت الجرة و أصلحت فتيلة السراج
ووقفت بجوار نعشها : جدتي ها كل شيء قد عاد كما كان
ولما لم ترد علي : كمدا حطمت برأسي الجدار .
***
و يا أخوتي في الليل
المعدمين و المعدومين في المقاصل و بالسيوف و بالرصاص
الراحلين و المحتضرين
والواقفين على أسنة اليتم
و الذائقات من قهر الثكل
و الأخوات الأرامل
الناظرات إلى الصور المهترئة
والبراويز الآيلة للسقوط
إن من الأغنيات ما يعرج بنا إلى السماء
و إن من الصباحات ما لا ليل لها

***
صلاة الصبح : كوني شفيعتي عند متع النهار
و صلاة المغرب : ألوذ عندك من وجع الليل