القراءة , الثروة التي لا تكلف شيئا لجمعها

السبت، 19 نوفمبر، 2011

سكتة قلب وردي





"سكتة قلب وردي"

أتعلمين مالظمأ؟
أن يكون عطشي شيئا يشبه الموت , و أن تختاري أن لا تملأي إلا نصف كأسي ..!
.
أتدرين مالرحيل؟
أن لا أُصلب في ذاكرتك سوى برهة , بأن أموت في صدرك فجأة, أن تكون جنازتي بدون نعش .. و أن لا أسمع منك سوى الأغنيات المبتهجة نعيا, أن ترفضي استقبالي معزيا فيّ, و تلبسين "البنفسج" في أيام الحداد.
.
مالخسارة؟
أن أحفر لحدك في غرف قلبي الأربع.. و تتسكعين خارجه بكعب عالي ... و "تنورة" يعبث بها النسيم.
.
أتدرين مالعزاء؟
عزائي سيجارة تحمر ّشعلتها كلما سحبت منها نفسا.. كشفتين للتو فرغتا من قُبلة "فرنسية".
.
.
بمناسبة ذكر القبلات: طعم القبلات على شفاهنا, آخر شيء يموت فينا.

السبت، 25 يونيو، 2011

الارتطام بالزيف لحظة صدمة .


- تحتل كرسيها في مقدمة القاعة بعد أن وضعت سجلاتها على الطاولة و الكوب يهبط بجوار السجلات متأخرا , لأنها ربما تريد أن تخبرنا بطريقة لا تقول فيها شيئا أنها أكثر المدرسات ارتباطا بالقهوة , وبعد هذا التلميح تقول : أنها اليوم بالذات لو أخفقت في التوصيل السريع للمعلومة , أو ارتكبت خطأً من أي نوع .. فذلك لأنه الكوب الأول , وتترك لك تخمين كم كوب تشربه في الصباح , اثنان .. ثلاثة .. أربعة .. لكنها أعداد بسيطة لاسيما و أن العدد يشكل فرقا من حيث ارتكاب خطأ من عدمه وبالتالي لابد أنها خمسة فأكثر.. لكنها لا تترك لك خيار أن تخفي الدهشة .. لابد أن تعبر , تظل تتفقد وجوه كل الطلبة باحثة عن أي سحنة من سحن التأثر و متوسلة هذه الوجوه نصف النائمة ردة فعل منافقة, ولا بأس أن تبالغ في التعبير .. مهايطية لا يفوتهم أي شيء أضاعت هذا الصباح و كل صباح فيقولون : "عزيزتي , لابد وأنك مدمنة قهوة ", و آخرون لا يقلون هياطا يقولون : " ما عليك شرهة , أصله ستار بكس ماله حل " على نحو يذكرك بما يناله أي موضوع فارغ – كهذا الموضوع – من ردود لأن خلفه رائحة أنثى ولو زائفة, و يابانيون يكتفون بــ"يا إلهي" ولا تدري أي إله من الآلاف في ديانتهم يقصدون .. المهم في الأخير ورغم أنك في بيئة تعليمية هي الأرقى في العالم , ينتهي بك المطاف -لو سارت هذه المحاضرة على نحو سيء- في مواجهة كوب قهوة فارغ تحمّله هي كل بلاهة ترتكبها .و القهوة من تلك التي تشعرك و أنت تشربها بأنك تحكم فكيك عضا على قطعة من الاسفلت , تنفيذ و صيانة آل مرطان .
- تنهض و تملأ السبورة بالألوان , رحلتك اليوم في درس الكتابة لابد أن تمر بكل حقول الألغام هذه :
أكتب مقالة من خمسة أجزاء ملتزما بالخطوات التالية :
1. موضوع التعبير : "............................................" .
2. رسم للعصف الذهني و تجميع الأفكار .
3. تخطيط مبدئي للمقالة .
4. بما أن موضوع الكتابة هو "......................................." فبالتالي نستبعد النقاط التالية : "........................" , "................" , ".........................." , "................................" .
5- كل جزء من الأجزاء الخمسة يحتوي على : جملة موضوعية , جمل مساندة للجملة الموضوعية تتنوع بين : حقائق و أراء و أمثلة . و كل جزء من المفترض ألا يقل عن ست جمل كاملة ومفيدة .
6- لا تنس أن تترك خمس مساحات فارغة في بداية كل جزء , وأن تستخدم علامات الترقيم الصحيحة , و الإملاء الصحيح ... إلخ .
- في ربع ساعة تكون هي انتهت من هذه الإملاءات , تعود إلى مقعدها و تتركك تستنزف كل ما في دماغك للكتابة في موضوع سخيف و في مساحة ضيقة و بأدوات زائفة .. لمدة ساعتين و نصف.
- يتضح في النهاية أن العمل العظيم , الذي تقوم به و ستحمّل كوب القهوة الوحيد أي خطأ – لا قدر الله – يتخلله, هو الجلوس على هذه الطاولة .
-تنتهي الساعتان ونصف وتكون للتو فرغت من المقالة ولا فرصة متاحة للمراجعة لضيق الوقت , وحتى لو كان هناك وقت لن تراجعها لأننه ببساطة , ارتكب الحول في عينيك فعلته .. أصابعك متشنجة , و تريد فرصة أن تتصرف , تتحدث , تكتب على طبيعتك و بإملاء منك لا من أحد.
- في اليوم الثاني , لن تنسى هي أن تخبرك رقم كوب القهوة الذي في يدها ضمن طوابير الأكواب التي تنتظر ارتشافها, و تسلمك ورقة الأمس ولأول و مرة تكتشف بقع العرق التي تركتها يدك المجهدة , تتفقد الثلاث صفحات, لا يوجد أخطاء كبيرة .. هناك ربما في ألف كلمة , اثنا عشر كلمة وضع تحتها خط , خط بدون تعليق أو تصويب, و أثناء المناقشة تكتشف أن المسألة ليست مسألة صواب أو خطأ , المسألة مسألة : يُفضل , يُستحسن , كان سيبدو أروع لو .. وهكذا , هي في الحقيقة لا تهتم , فقط تريد أن تخبرك أنك كائن غريب و متطفل على اللغة وأنك مهما بلغت في الإجادة فلن تكتب مثل أمريكي , ستظل دائما و أبدا "أجنبي". و كعربي تستيقظ فيك كل شعارات الخنوع و النقص, تحس بمظاهرة تكبر شيئا فشيئا في صدرك شعارها "عقدة الخواجة" , ومن جهة أخرى , مسيرة تتجول في كل غرف قلبك الأربع ..تصيح بصوت واحد , أن على الطرف الآخر "امرأة" , إضافة لكونها أمريكية -تعود إلى مقعدك بعد أن رشوتها بقليل من "النفاق" تعليقا على مفتاح سيارتها "الفولكسفاجن" .. هو نفاق صحيح , لكنها تظل تبتسم بعد كل جرعة لنحو خمس دقائق متواصلة , إن كانت المجاملة على مفتاح سيارتها , أو تسريحة شعرها , الجلاكسي تابلت , أو قهوتها , فهذا لايهم .
- تأتي نهاية الأسبوع , تريد يومين يكنسان فيك كل النفاق و الهياط الذي مارسته طيلة اسبوع دراسي كامل, تريد جليا كاملا و غسيلا نظيفا لأطباق قيمك و من ثم ترتيبها على رفوف صدرك , تريد أن تنشر شراشفك التي أوصاك أبوك ألا تدنسها بنوم مع أي غدرة أو خيانة قيمية .
-وفي اليومين تريد أن تستغل طقوس الكتابة التي علموك إياها و جعلوك تعتاد عليها , و على الحول و شلل الأصابع لساعتين ونصف , فتكتب هذه المرة عن وطن اقتلعتك الأقدار منه كجذور حطيبة و رمتك في مواقد الغربة تتعذب فيها و لا تحترق فتموت , عن أبوين يهرول بهما العمر فلا تدري أيكما و الموت يسبق إليهما قبل خط النهاية , عن امرأة تحترق فوق لهب الشوق , و عن طفلتين كلما هاتفتهما تعاتبانك على أن أذقتهما أيام اليتم بابتعادك وأنت لازلت حي ,
- دوافعك حقيقية هذه المرة غير مزيفة .. لكن تكتشف أن ريشتك الحبلى بالحبر, تجهض فقط أو تلد زيفا , لغتك الأولى و التي جئت تتعلمها , تصبحان في حنجرتك معطوبة و معطلة .. و ساعتئذ البكاء وحده لغتك التي تجيد أيها المزيف .

الأحد، 19 يونيو، 2011

عشر رسائل إلى أجمل امرأة ..


إلى امرأة شاء الله ألا يصدرها كوكب واحد نسختين

(1)
أنا وقيثارة تنتحب في الشرفة كل ليلة , عيناي في السماء , أنتظر غناءك و الترتيل .
(2)
الطريق الذي تزرعين فيه خطواتك في الصباح , يبكي شوقا في المساء .
(3)
و في خدك الأيمن .. مسيرة ألف قُبلة .
(4)
و  فتنتك ليست في واحدة سواك و لا تقبل القسمة على امرأتين .
(5)
ولا تحتاجين لأي مكياج من أي نوع .
 (6)
لا أنتمي في هذه الغربة إلى شيء سواك .
 (7)
هل تقبلين بي ساعة على معصمك.؟ و أعدك أن تشير دقائقي و ثواني دائما نحو : البهجة تماما ونصف .
(8)
إذا ذهبتي لأي حديقة , اتركي نعليك في البيت : أقسم أن الورود ترتوي من قدميك .
(9)
في كل صباح : اتجهي بأحد خديك نحو الشروق , حتى تتمارى الشمس فيه قبل أن تظهر على الناس بكامل فتنتها .
(10)
و إذا سمعتي أغنية عذبة و باكية , احتضنيها و ربتي على ظهرها , إلى أن تهدأ و تنام .
التوقيع :
جلستُ في مواجهتك يوما , كنت أريد أن أتحدث و ابتسم ؛ فكانت روعتك أكبر من محاولات حضوري .
العنوان :
  صندوق بريد يخاف أن يهرم و هو ينتظر ..





الجمعة، 4 مارس، 2011

و الأغلال التي في رؤوسهم .





                                                 
يا أيها الذي جاء إلى هذه الحياة حرا , فتكاثرت وتكالبت القيود عليك ساعة إثر ساعة , ويوما بعد يوم , حتى إذا تناصف عمرك فإذا القضبان أمامك و الجدران خلفك .. و الأغلال في يديك .
أنت اخترت أن تكون عبدا .. أنت الذي التقطت القيود من على الأرض فوضعتها في يديك , أنت الذي قايضت الأفق الفسيح بغرفة السجن , آمنت أن الغرفة تكفي و أكثر لكل نزعة فطرية نحو الحرية بداخلك , فضلت مساحة الغرفة على فساحة المكان خارجها , زججت بنفسك في داخل الغرفة .. أحكمت الإغلاق وبلعت المفتاح .
لا أغلال إلا في رأسك , العقول هي المكبلة , التفكير هو المحاصر في دوائر ضيقة , و الأفكار هي التي لا تستطيع القفز من فوق الأسوار , في الرأس يقبع مَثَليك وزنا وثقلا كي لا تذهب بعيدا , كي تبقى بقرب كل ما هو معتاد , ولتتم صناعتك على عين كل ما هو مألوف و طاغوت , كي لا تختفي أبدا عن العين المتربصة و المراقبة , وكي تختفي دائما عن نفسك وكي تختفي أيضا خلفها , ولكي تفضل الانتحار على أن تستمع لقلبك الذي يناشدك بالله العزيز الحكيم بعض الحرية و بعض الفرجة .
جئت إلى هذه الحياة ممتلئا حرية , سقطت من رحم أمك صغيرا ضعيفا , إلا الحرية كانت حينها فيك أكبر منك , كانت تفيض عنك إلى غيرك فتأتي عليهم كالضحكات كالبسمات , كالتكشف للنسائم , كتعري الحقائق , كحل كل قيد , ككسر كل غل , كالخروج من كل سجن .
وأنت في ستة أشهر من عمرك , كانت يداك ضعيفتان واهيتان , لكن كنت تنتفض إذا ما أمسك أحدهم بهما , ترفض أن يحيط إبهام وسبابة بمعصميك ولو بلطف غير تلك التي هي لأمك , لم تكن تستخدم رجليك في ذهاب ولا إياب , ولكن تسخط إذا أوقف أحدهم لهوهما , و تقطب على نحو طفولي جبهتك و تتعالى صيحاتك إذا حال حائل بين عينيك و بين ما تريد أن ترى و تبصر .
من علمك بعد ستة أخرى المشي , بل من أوحى إليك أن بإمكانك الوقوف , من ألهمك الصبر على السقطة إثر السقطة , و العثرة تلو العثرة , وكل ما التأم جرح جد بسبب الخطوات الأولى جرح , تتمرد في كل مرة على محاولات من حولك لثنيك رأفة بك و شفقة من آلام و جراح السقوط .
ألا تشي لك تلك الجراح الأولى أن ثمن الحرية دماء و أشلاء ؟ و أنها – أي الحرية – أول شيء امتلكته بعد سقوطك من بطن أمك ؟ وأنها آخر شيء تتخلى عنه قبل أن تموت ؟ بل تشبث بها و أنت تحتضر , ادخل قبرك بمعيتها , اصعد إلى ربك إن استطعت بها , فكمال عبوديتك له تقتضي تمام حريتك .
فمالك تأخذك الرغبات إلى حيث لا ترغب , و الشهوات إلى حيث لا تشتهي , مالك تقاد إلى حيث لا تريد الذهاب , و تُقوّل ما لا تريد أن تقول , ومال هذه الأغلال من فوقك و من تحتك و عن يمينك و عن شمالك ؟
الأغلال أوهى من إرادتك , وقابلة للكسر أمام تصميمك .
لعنة الله على الأغلال , على القيود , على السجون , على القضبان , وحتى على الكلبشة .
نصيحة : 
لا تقبل النصيحة حتى تتأكد أنها سليمة , تأتيك الأغلال أحيانا والقيود في هيئة نصائح .


الجمعة، 22 أكتوبر، 2010

الألفة مع الأشياء : السدر .


هبت ريح قبل أسبوعين أطاحت بشموخ السدر المنتصب في مزرعتنا , أطاحت بالشموخ و أطاحت بما يزيد عن سبعين سنة من ذكرياتنا .


سألت جدي قبل سبعة عشر عاما , في عشية صيفية كانت الشمس توقِع ظل السدر شرقه : من "سبا" هذا السدر ؟
أجاب : خُلقت عليه , أي ولد جدي و السدر في مكانه .
و هي من النوادر التي كنت فيها أسائل وعيي ووعي من حولي عن هذا السدر الذي تمحور كل شيء في المزرعة و البيت و ما بينهما حوله . كل شيء بدا كما لو كان هذا السدر مكانا مقدسا تقام الأشياء المهمة بجواره . فالبئر تقع على مقربة منه , هو استطال و تفرع حتى أصبحت البئر كما لو كانت قد بنيت تحته مباشرة , مكائن الديزل و " طلمبات الماء " , "زير " الماء , العريش قبل أن يصبح غرفتين في المكان ذاته , "الجرين" : دائرة كبيرة مرصوفة بالإسمنت تعقد فيها المجالس و السمرات , و تقام عليها الصلوات لاسيما الصلوات التي تأتي بينما الأهالي في مزارعهم , لكن هذه البقعة رصفت أصلا لخبط السنابل المحملة بالحبوب , تتلقى السنبلة الواحدة ضمن آلاف السنابل الخبطات بالمشاعيب حتى تلفظ آخرة حبة قمح / ذرة فيها , فتصبح عودا حقيرا لا فائدة منه سوى إشعال نار "الميافي" في الحطب , أو تكون الشرارة الأولى تحت "براد " شاهي . جهاز الراديو معلق بالسدر , برميل الديزل تحته قريبا من المكائن .
ليس هذا فحسب , بل حين توفي جدي والد أبي , و كانت قبل ذلك المزارع كلها قطعة واحدة يعمل فيها هو و أخوه - جدي عم أبي - ومن معهما من الأبناء , كان السدر هو ميزان تقسيم الإرث . فما يقع شرق السدر مساو لما يقع غربه من الأراضي الزراعية . وخُيّر الوارث بين النصيبين المتكافئين .
حكايات أهالي القرية الحقيقية و المختلقة و أشعارهم و بالكاد كل حديث , يوشك أن يظهر السدر فيها ظرفا مكانيا , حتى مواعيدهم التي يضربها بعضهم لبعض تكاد كلها تكون المكان نفسه ولو تغير الميعاد الزمني : " تلقاني ضحوة تحت ابسدر " .
و إذا ما أراد أحدهم أن يعبر عن طول مسافة أو هول مساحة , كجارنا الذي كان يقص علينا قصته بعد أن أدى فريضة الحج , و كان يحكي عن ازدحام الناس على الجمرات , قال إن كثافة الناس يومها , كما لوكانت تملأ المساحة " من هنيه - من بيته - لين ابسدر " , و كان الوصف بليغا و مفهوما , إذ تعدلت ظهور الأهالي المنحنية قائلين كلهم بصوت واحد في استعظام : "الله" , بينما ردد المتعلمون منهم : "الله المستعان" .
أنا و أنا أضع أولى خطواتي بعد الخامسة و العشرين , ألفت السدر مع جدي ووالدي و سائر الأهالي منذ صغري , ألفته ألفة أنستني أو جعلتني أجهل أن هذا السدر في الحقيقة سدرين متلاصقين , لم يتبين لي ذلك – لتسليمي بما ألفت – إلا صبيحة ليلة سقوطه .
كنت أسائل نفسي فيما مضى من سنين , كل شيء يموت , و سيموت السدر هذا كما مات قبله "سدر الهنيدي " الذي ما عرفت قريتنا سدرا مثله في طيب مذاق ثمره : النبق .
لكن كيف سيموت وهو الماء تحته و الأرض جيدة تسمح لجذوره بالتمكن في جوفها , و لم يخطر على بالي أن ريحا تأخذنا إلى قبورنا ستأخذ هذا السدر العظيم إلى مأواه الأخير .
سقط السدر ليلا , و في الصباح بدا لنا الشيء المألوف مختلفا , رغم أنه يبعد عن مساكننا قرابة الكيلو , كان اسوداد و كثافة أعلى السدر مختلفة , و يبدو لنا كما لو تنازل عن بعض طوله و ارتفاعه . و لزمنا بعض التدقيق المضني حتى أدركنا و استوعبنا الفاجعة .
كان بالتأكيد سقوطا مدويا , تمددت الساق الهائلة داخل المزرعة و كان قطر دائرة الساق بعد قطعها رقما كبيرا في حدود الثمانين سم , تطايرت الأغبرة إلى أماكن بعيدة , وهلكت المزروعات التي وقع السدر عليها , و ترك خلفه –بجوار لصيقه السدر الآخر - حفرة هائلة كان مغروسا فيها لأزود من سبعين سنة .
أتساءل : هل سقط السدر الذي كان شاهدا لعقود على رحلة رجال القرية من الحمراء إلى بليص , و من بليص إلى الحمراء , و كان شاهدا أيضا على رحلتهم من مدارج لهوهم صبية صغارا إلى أن دخلوا قبورهم شيوخا , هل سقط كما يسقط أي شيء ساقط وفقا لقوانين الوزن و الثقل و السرعة و الجاذبية ؟
ألا يوجد هناك سقوط يليق بالأشياء العظيمة , يأخذ في الاعتبار امتداد الشيء الساقط في المكان و الزمان و في وجدان من حوله من البشر و يستثنيها من قوانين الفيزياء , ألا يوجد شيء ينبه الناس أن شيئا عظيما مهما سيسقط , ليبدأ الرثاء - كما يجب - قبل الرحيل ؟
سنة الله و لن تجد لسنة الله تبديلا .